وعيك أنت، يعزّز وعي من حولك

وعيك أنت، يعزّز وعي من حولك

كتابة: تمارة الخالد

“الوعي”… كلمة عميقة وايجابية ما إن نسمعها حتى نكاد نتخيل النور يلامس قلوبنا. هي التغيير الذي نأمل به جميعنا لكي نعيش نسخة أفضل من أنفسنا. هي الفكرة في أذهاننا تلمع فجأة، فلا نعود بعدها أبداَ تماما كما كنّا.

 إن حدث أن شعرت بشيء مشابه عند قراءتك الكلمة فهي ليست مصادفة بالتأكيد. وعلى الأرجح أنك لست الوحيد الذي يشعر أنها كلمة إيجابية بشكل خاص. فمن الجدير بالذكر أن كل كلمة في اللغة تحمل معها انطباعا معينا لصيقاً بها. في اللغة يسمى هذا الانطباع النفسي لكلمة ما “الرصيد العاطفي”. 

كلمة وعي مثلا تحمل معها رصيداً عاطفياً ضخماً من الإيجابية. ذلك الرصيد لم يتراكم في داخلك مصادفة، بل هو نتيجة قراءتك لعشرات المقالات التي تتحدث عن أهمية الوعي في حياة الإنسان، بالإضافة لتصفحك العديد من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تذكر كلمة “الوعي” في سياقات مختلفة: كذلك البوست الذي يتحدث عن التربية الإيجابية مثلا أو ذاك الآخر عن التحرّر من التفكير الزائد والتخلص من الأرق.

وكذلك أسماء الأشخاص الذين نحبهم ونقضي معهم أوقاتاً جميلة تُشعرنا بالسعادة. أسماؤهم أيضا تحمل رصيداً عاطفياً داخلنا. فحينما تسمع اسم شخص مقرب منك، وإن كان الاسم وقتها دالاً على شخص آخر تماما يحمل الاسم ذاته، فإنك تتأثر بشكل فوري. ليس كأن تسمع اسماً لم يمر عليك من قبل ولا يحمل في داخلك أي تاريخ. 

وكما أن ذلك الرصيد العاطفي المرتبط بالكلمات يمكن أن يكون فردياً، بإمكان كلمات أخرى أن تحمل رصيداً عاطفيا موجوداً في “الوعي الجمعي” لمجتمعك. ابتكر عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم مصطلح “الوعي الجمعي” للدلالة على التغيير الواعي الجماعي في منظومة العادات والتقاليد. يتأثر الوعي الجمعي أيضاً بتفاعلات الأفكار وخصوصية اللغة التي ترافق الإنسان منذ الطفولة والتي تشكل وتصقل مشاعره وسلوكه ومواقفه بطريقة معينة بحسب مجتمعه وبيئته.

تحدث دوركايم أيضاً عن إجابة السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يغير فعلا من هيمنة “العقل الجمعي” على حياته الخاصة؟ قد يتمكن ربما من تغيير بعض التفاصيل من خلال روحه وتفرده كإنسان لكنه يبقى حبسيًا لمعظم خطوطها العريضة وينصهر في قالب معين يصعب عليه الخروج منه بمفرده. يبقى الملاذ الوحيد إذاً كامناً في الوعي الجمعي، أي عندما يصبح الشخص قوياً بمجتمع محيط يشاركه رحلة الوعي وتغيير المفاهيم والمعتقدات الخاطئة التي ترسبت منذ عقود.        

الفرق بين مفهوم العقل الجمعي والوعي الجمعي هو مثل الفرق بين التقليد الأعمى وبين التفكير الحر. فلا يعني أنك ترغب بالتصرف بناء على عادات معينة أنك تتصرف دون وعي بالضرورة. ولا شك أن العادات والتقاليد ليست برمّتها في حاجة للتغيير. لكن المشكلة تكمن في تصرفك تبعاً لها وإن كانت لا توافق قناعاتك ولا تبدو منطقية ومفيدة لك، لمجرد أنك اعتدت عليها أو أنها الخيار الأسهل. 

المشكلة الحقيقية أن العقل الجمعي قد يجعلك تعتقد بأن تفسير الآخرين لأي فكرة جديدة أو موقف مبهم هو أكثر صواباً من رأيك أنت لمجرد أنه الرأي السائد المتعارف عليه. بهذه الطريقة تتشكل شخصية سلبية لا تثق بنفسها ولا تؤمن بقدراتها إلا من خلال نظرة رضا الآخرين. 

يلعب عامل الوقت دوره بالطبع في تشكيل “الصورة الذهنية” الجديدة عن ممارسة اجتماعية ما على سبيل المثال، كأن تمارس النساء المحجبات قيادة الدراجة دون أن يلتفت أحد للأمر أو يعتبروه “مستهجناً” أو “غريباً”.  مما يجعل الفكرة تصل بالتدريج لعدد أكبر من الناس عن طريق التأثير والتأثر فيما يشبه شبكة عنكبوتية جديدة تتشكل على أنقاض القديمة. فمثلاً كما كان الاعتقاد سائدا في العقود الماضية بأن تربية الطفل لا تكون إلا بالتعنيف وفرض السيطرة الكاملة من قبل الأهل حتى على أدق تفاصيل حياته. بدأ الاعتقاد يتغير شيئا فشيئا في مجتمعاتنا مع انتشار مبادئ التربية الإيجابية. وصارت الكثير من الأمهات تلجأ لمهارات التربية بالحب التربية المبنية على الحوار. 

من المؤكد أن تحقيق كل ذلك صعب المنال دون وجود المجتمع الداعم. هذا المجتمع تحصل عليه في كل حدث جماعي تنضم له: مثل مجموعات قراءة الكتب، البرامج التدريبية، جلسات التأمل الجماعية. في تطبيق تنفّس، خصّصنا لجمهورنا العظيم الذي يمارس التأمل خانة “تنمية الوعي” لنرافقهم في رحلة الوعي الخاصة بهم ونكون داعمين لهم. تفقّد هذه الفئة الآن وعزّز قدرتك على الانتباه على أفكارك، مشاعرك، والأحداث والتفاصيل حولك بعين المراقب الفضولي المحايد اضغط هُنا لتحميل التطبيق

الجميل والحقيقي جداً في الأمر أنك بمجرد أن تبدأ رحلة الوعي حتى تؤثر على محيطك إيجابياً، ولو كانت تلك خطواتك الأولى…ولو كانت النية الصادقة هي كل ما تملك كبداية. يقول الكاتب الأمريكي في علم النفس شاون آكور: “كل واحد منا هو بمثابة فراشة. وحتى رفّة جناح بسيطة من هذه الفراشة تجاه عقلية أكثر إيجابية كفيلة بإرسال موجات إيجابية متلاحقة إلى عائلاتنا، أصدقائنا… ومجتمعاتنا ككل…”